بقلم/ عمران سلمان – 23 ديسمبر 2024/
حتى الآن أظهر الحكام الجدد في دمشق قدرة فائقة على إقناع دول العالم وبضمنهم الولايات المتحدة أنهم ليسوا جماعات إسلامية متشددة وأن العلاقة القديمة التي كانت تربط هيئة تحرير الشام أو جبهة النصرة بتنظيم القاعدة قد قطعت إلى غير رجعة.
ولم يوفر قائد الهيئة أحمد الشرع أو أبو محمد الجولاني مناسبة إلا واستغلها من أجل إظهار تسامح الهيئة وانفتاحها على مختلف ألوان الطيف المجتمعي السوري مع التأكيد على احترام حقوق الأقليات وأن السلطة الجديدة لن تفرض الشريعة الإسلامية أو تحول البلاد إلى نسخة أخرى من أفغانستان طالبان.
وحتى الآن على الأقل لا يبدو أن السلطة التي يقودها الشرع قد ضعفت أمام إغراء تطبيق القوانين الإسلامية وخاصة فيما يتعلق بالمرأة. ورغم الزوبعة التي أثارها المتحدث الرسمي باسم الإدارة السياسية التابعة لإدارة العمليات العسكرية في سوريا “عبيدة أرناؤوط” في حديثه لتلفزيون الجديد (18 ديسمبر 2024) حول دور المرأة في سوريا في ظل الإدارة الجديدة، حين اعتبر أن طبيعة المرأة البيولوجية والنفسية غير مناسبة لبعض المناصب، مثل وزارة الدفاع، إلا أن هذا الرأي لم يخرج عن إطار الموقف التقليدي للإسلاميين من المرأة وعملها، ولم يكن ناجما عن قرارات حكومية ملزمة على سبيل المثال.
بالطبع لا شيء يمنع الإدارة الجديدة في سوريا من أن تتحول بعد فترة إلى نظام إسلامي متشدد وخاصة أن التيارات الإسلامية سرعان ما تتوالد وتنشق على نفسها ويبرز بينها الأكثر تطرفا والذي ربما ينقلب على أصحابه وينتزع السلطة لنفسه.
بل لا شيء يمنع هذه السلطة من أن تزاوج بين النظامين التركي والإيراني بحيث تخرج بمزيج يجمع المحافظة الدينية مع ترك مساحة حرية نسبية للأقليات الدينية والطائفية الأخرى لممارسة شعائرها وطقوسها ومن دون الانزلاق إلى التشدد والتعسف الديني الإيراني ومن دون أيضا ترك المجال للسوريين لممارسة حرياتهم الاجتماعية التي اعتادوا عليها في ظل النظام السابق.
بمعنى آخر فإن احتمالات صيرورة الوضع في سوريا يمكن أن تأخذ اي اتجاه أو سيناريو من تلك المتداولة، لكن أيا منها لن يخرج في الواقع عن إطار المحافظة الدينية بصورة أو بأخرى.
مع ذلك فان الهم الأكبر اليوم لا ينصب على شكل الحكم الجديد، بقدر ما إذا كان سيتسنى لهيئة تحرير الشام أن تحكم سوريا من دون التعرض إلى تهديدات من جانب الفصائل الإسلامية الأخرى أو من جانب المنافسين لها مثل القوات الكردية وكذلك تنظيم داعش.
ان قدرة النظام الجديد على العمل والنشاط، بما في ذلك الحكومة التي أعلن للتو عن تشكيلها، من دون الانشغال بمواجهة التهديدات الأمنية يظل هو التحدي الحقيقي لسوريا. ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه الحكومة سوف تحظى بترف ممارسة نشاطها بحرية من دون تحديات أم أنها سوف تغرق لاحقا في مقارعة خصومها أكثر من ممارسة شؤون الحكم لمواطنيها.
على أية حال ما يمكن قوله اليوم هو أن هيئة تحرير الشام تقوم بعمل جيد بما في ذلك تبديد المخاوف والشكوك لدى دول العالم بشأن طبيعتها ونواياها، وهناك جهد كبير تقوم به من أجل أن ترسي نظاما جديدا في دمشق يمكنه أن يستبدل النظام السابق وبصورة تنال رضا المواطنين.
مع ذلك فإن الوضع في سوريا يظل هشا وهناك احتمالات كبيرة متعلقة بيسوريا وكذلك المنطقة ويتعين الإبقاء على جميع الخيارات مفتوحة.