بقلم/ عمران سلمان – 17 يناير 2025/
من المفهوم أن يبتهج ويحتفل سكان قطاع غزة بإعلان التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن والأسرى مع إسرائيل، فهذا يعني أن مأساتهم التي تسببت فيها حركة حماس ربما وصلت أخيرا إلى نهايتها وأنهم في طريقهم للعودة إلى شيء من الحياة الطبيعية وربما انتهاء الحرب بصورة دائمة. ما ليس مفهوما مع ذلك هو هذه الحالة من الابتهاج في بعض العواصم العربية والتي تصور الاتفاق على أنه انتصار لحماس وهزيمة لإسرائيل!
فبعد كل الذي حصل لقطاع غزة من ويلات و دمار بما في ذلك القضاء على أعداد كبيرة من أعضاء وقادة الجماعات المسلحة من حماس والجهاد وغيرها، يتحدثون عن الانتصار!
هو بالفعل أمر غريب، فاذا كان هذا هو الانتصار فكيف ستكون الهزيمة إذن؟
ينسى الكثيرون أو يتناسون أن السبب في كل ما جرى هو الهجوم الإرهابي الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وأن العنوان الرئيسي لهذا الهجوم وفق الناطق باسم حماس الذي أعلن عنه من على شاشة قناة الجزيرة كان هو بداية ما أسماه تحرير فلسطين!
واليوم بعد 15 شهرا لا يتحدثون عن تحرير فلسطين وإنما أصبحوا يعتبرون انسحاب إسرائيل من قطاع غزة الذي كان تحت السيطرة الكاملة لحماس كما هو معروف انتصارا!
لكن هذا ليس غريبا على هذه الجماعات وكذلك العقلية التي تفكر بها، فهي تعتبر نفسها هي المقياس وليس الشعب وما يحصل له. فبقائها على قيد الحياة هو هدف بحد ذاته وليس مهما أعداد القتلى وحجم الدمار الذي تتسبب فيه مغامراتها. وهي في ذلك ليست استثناء، فالعقلية نفسها تجدها لدى الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة وما أكثرها والتي هي الأخرى لا تعترف بالهزيمة وارتكاب الأخطاء حتى عندما يتهدم ويتدمر جميع ما حولها من إنسان وبنيان، المهم هو بقاء الزعيم على كرسي الحكم. فإذا ضمن ذلك عد هذا الأمر انتصاراً وهزيمة لاعدائه حتى وإن كانوا يحاصرون منزله وقادرين على تدميره فوق رأسه.
والحال أن مفهوم الهزيمة والانتصار أصبح له معنى مختلفا في الثقافة العربية عنه في جميع ثقافات العالم الأخرى.
فالذين ينهزمون في الحروب وخاصة إذا كانوا من المتسببين فيها فإنهم يستقيلون ويحاكمون وبعضهم يدفع ثمن ذلك، أما في الحالة العربية فإن المنهزمين والمغامرين يتحولون إلى أبطال وتخرج المسيرات والتظاهرات في الشوارع تشيد بانتصاراتهم وبطولاتهم ويتغنى الصغار والكبار بأسمائهم وأمجادهم!
يجب الاعتراف بأنه ليس من السهل تفسير هذه الظاهرة وأنه ربما يتعين على علماء النفس والخبراء في مجال الظواهر الاجتماعية أن يدرسوا ويحللوا هذه الحالة، لأنها بالفعل غريبة وغير مفهومة، وتكاد تنحصر في البيئة العربية على نحو يتعذر فهمه أو تبريره.
أما الأمر الآخر المثير فإنهم يطربون لسماع الأصوات الإسرائيلية المطالبة بمحاكمة نتانياهو بسبب الأخطاء الأمنية التي ارتكبتها حكومته خلال هجوم 7 أكتوبر وملابساته، بما في ذلك السياسة التي اتبعها تجاه حماس قبل الهجوم.
آذان هؤلاء تطرب لذلك وهم ينظّرون ويتحدثون باستفاضة وإسهاب عن الخلافات الإسرائيلية الداخلية في هذا الشأن. لكنهم يتوترون وينزل عليهم الغضب الإلهي إن قام أحد بتوجيه الانتقاد إلى حركة حماس أو زعمائها بسبب الويلات التي جلبوها على الفلسطينيين، أما إن طالب أحد بمحاسبة أو محاكمة حماس أو قادتها على جرائمهم فإنهم ربما يسارعون إلى قتله وصلبه أو في أضعف الإيمان وصمه بالخيانة والعمالة لإسرائيل وللصهيونية والماسونية العالمية .. الخ.
والحال أن أسباب الانحطاط والتخلف في البيئة العربية ليست من الأسرار الدفينة التي لا يعرف كنهها ومكانها أحد، بل هي واضحة لمن يريد أن يرى ويدرك ويتعلم، ولعل أبسط أمر فيها هو عدم الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية والتزام الواقعية وتسمية الأشياء بأسمائها .. فالهزيمة تظل هزيمة ولا يغير منها الادعاء بالانتصار، كما أن السياسيين الذين يخطئون أو يجرمون تتعين محاسبتهم وتحميلهم المسؤولية من دون لف أو دوران.
حين تتغير هذه العقلية بالتأكيد يمكن الحديث عن بصيص أمل وربما عن انتصار..