السلطة الفلسطينية أمام خيارات مصيرية!

بقلم/ عمران سلمان – 9 يناير 2025/

“أبطلنا مفعول 17 سيارة مفخخة، وتم تفجير مركبتين، وسيطرنا على 3 معامل لتصنيع العبوات والمتفجرات، وجميعها كانت بين أماكن سكنية للمواطنين، كما سيطرنا على 16 موقعاً يستخدمها المسلحون لتخزين الأسلحة والغذاء، بعضها في مساجد أو جمعيات خيرية”. (جريدة الشرق الاوسط 9 يناير 2025).

التصريح أعلاه ليس للمتحدث باسم الجيش الاسرائيلي، ولكنه للناطق باسم قوى الأمن الفلسطينية، العميد أنور رجب، خلال مؤتمر صحافي في جنين، يوم الخميس، وفيه يشرح ما تواجهه قوات الأمن الفلسطينية في قتالها مع مسلحي حماس والجهاد الإسلامي وغيرهم من الفصائل في مخيم جنين.

يقول العميد رجب إن “بعض الجهات الإقليمية تحاول تصعيد الأوضاع في فلسطين، من خلال الخارجين على القانون”، مهاجماً بعض وسائل الإعلام، التي قال إنها تبث الأكاذيب عن جنين.

كما أشار إلى أن الحملة التي بدات منذ منتصف الشهر الماضي وقُتل فيها 3 من المسلحين، واعتقل 247 من الخارجين عن القانون، طالت كذلك التمويل الخارجي للمسلحين، وهو تمويل -كما قال- يستهدف إدامة حالة الفوضى وتعزيزها. وحسبه، فقد اعتقلت السلطة 8 أشخاص متورطين بتمويل المسلحين في جنين وسيطرت على كثير من الخطوط التي كان يصل إليهم من خلالها التمويل الخارجي، وشمل ذلك “مصادرة مبالغ ضخمة من الدولار والشيقل كانت في طريقها للخارجين عن القانون”.

بالطبع السلطة الفلسطينية ليست فوق مستوى الشبهات وليس جميع ما تقوله بالضرورة صحيح أو أنها لا تبالغ أو تضخم كعادة السلطات العربية. مع ذلك فهي تبدو هنا في وضع لا تحسد عليه وما جاء على لسان الناطق باسم قوات الأمن الفلسطينية هو غيض من فيض. ولم تكن لتتهم عناصر حماس والجهاد بإخفاء الأسلحة والمتفجرات بين المدنيين في المدارس والمساجد لو لم يكن هذا هو الحال. فهم فعلوا ذلك في قطاع غزة ويفعلونه في الضفة الغربية.

غير أن السؤال الذي يتعين طرحه هنا هو إذا كانت السلطة الفلسطينية قد عجزت حتى الآن عن تطهير مخيم جنين من المسلحين بعد قرابة الشهر من المواجهات الشرسة، ترى كم ستحتاج من الوقت كي تفعل ذلك في جميع المناطق الفلسطينية التي يتواجد فيها مسلحو حماس أو الجهاد أو غيرهم؟

إن الاختبار الذي تخوضه السلطة هنا يعتبر حاسما ومصيريا بالنسبة لوجودها وقدرتها على السيطرة على المناطق الفلسطينية الواقعة تحت سلطتها.

ولذلك لم يكن من باب المصادفة أن يشدد العميد رجب بان الحملة هدفها بسط سيادة القانون في الأراضي الفلسطينية، وأنها ستستمر “حتى اعتقال كل الخارجين عن القانون وتفكيك هذه الحالة داخل المخيم”.

فالسلطة الفلسطينية تعرف أن استمرار وجود السلاح خارج نطاق القانون ووجود الميليشيات والجماعات المسلحة نفسه هو تهديد لها قبل أن يكون لإسرائيل.

وهي تعرف أن اختبار الضفة الغربية هو الذي سيحدد ما إذا كانت السلطة سيوكل لها أي دور في ادارة قطاع غزة مستقبلا، لأنها إذا كانت عاجزة عن السيطرة على الضفة فكيف يمكنها أن تقنع احدا بأن حظوظها سوف تكون أفضل في غزة، وحيث يمكن أن يغري ضعفها مسلحي حماس على استعادة قوتهم ونفوذهم بسرعة.

هذا التحدي الذي تواجهه السلطة بالطبع ليس جديدا وإنما هو جزء من الحالة الفلسطينية العامة التي لم تتمكن في يوم من الايام من حسم خيارها ما بين السلام وبين الكفاح المسلح. لقد ظلت دائما متأرجحة بين الحالين. وحتى عندما انتقلت السلطة الفلسطينية إلى الضفة وغزة بعد اتفاقية أوسلو لم تتخل السلطة تماما عن الكفاح المسلح أسوة بباقي الفصائل الفلسطينية الأخرى.

وهو ما سمح لهذه الفصائل ولخيار السلاح عموما بالتجذر أكثر في الواقع الفلسطيني داخل أراضي 67 من جهة ومن جهة أخرى فهو باعد بين الفلسطينيين وبين التركيز على إقامة دولتهم وبناء مؤسساتهم الوطنية.

فالانشغال في مواجهة إسرائيل عسكريا يعني أيضا الانشغال عن بناء الدولة. ولا يمكن لأي مؤسسة فلسطينية أن تصمد أو تنمو بصورة صحيحة مادام أن الحالة الفلسطينية كلها مكرسة لهدف واحد ووحيد وهو مواجهة إسرائيل.

ووفق هذا المنطق فإن البرلمان وباقي المؤسسات الأخرى والقضاء والإعلام واجهزة إنفاذ القانون لا قيمة لها ولن تستمر أو يحترمها أحد ما دام أنها لا تسمح في النهاية “للمقاومة” بحرية الحركة والعمل وقتال إسرائيل!

إن ما جرى في غزة وضع السلطة الفلسطينية مجددا وجها لوجه أمام هذه الحقيقة المرة، ولذلك فهي سعت لتدارك الأمر على وجه السرعة في مخيم جنين وباقي الضفة. السؤال هو هل فات الوقت على ذلك؟ ربما لا، والأمر سيكون متوقفا على قدرة أجهزة الأمن الفلسطينية هذه المرة على استعادة سيطرتها وجمع السلاح وإنهاء جميع المظاهر المسلحة في المناطق الفلسطينية.

لن يكون هذا الأمر سهلا بكل تأكيد وربما لا تتمكن في نهاية المطاف من تحقيقه، لكن عليها المحاولة فالخيارات الأخرى هي أسوء من الفشل نفسه!  

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *