اعتقال مادورو .. ما فائدته؟

بقلم/ عمران سلمان – 5 يناير 2026/

من الناحية العسكرية والأمنية البحتة يعتبر اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من عقر داره في كراكاس ضربة معلم، إذ لم تنجح العملية فحسب في تحقيق أهدافها وإنما فاقت جميع التوقعات مع قلة عدد الضحايا وعدم وقوع إصابات أو أخطاء في الجانب الأميركي.

من الناحية السياسية تمثل العملية أيضا نجاحا باهرا لإدارة ترامب في التخلص من رئيس مشاكس لطالما شكل نظامه عامل قلق للسياسات الأميركية في أميركا الجنوبية، سواء عبر تحالفاته مع الأنظمة المارقة أو دعمه للحركات والدول المناهضة للولايات المتحدة.

أما من الناحية القانونية فهنا يقع الإشكال. فالقانون الدولي لا يجيز بالطبع مهاجمة الدول واعتقال قادتها، فضلا عن انتهاك سيادتها على النحو الذي مارسته الولايات المتحدة خلال هذه العملية.

لكن القانون المحلي الأميركي يعطي أجهزة إنفاذ القانون سلطة اعتقال وجلب المتهمين بارتكاب جرائم في الولايات المتحدة أو ضد أميركيين.

ومادورو صدرت بحقه بالفعل لائحة اتهام في نيويورك لأول مرة ‌عام 2020 في إطار قضية تهريب مخدرات طويلة الأمد ضد مسؤولين فنزويليين حاليين وسابقين وعصابات كولومبية.  

وبعد أن أقرت لائحة الاتهام  من قبل هيئة محلفين كبرى في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن الذي لم يعترف هو أيضا بشرعية مادورو، تم توسيع اللائحة لتشمل زوجة مادورو ونجله.

وأضافت لائحة ‍اتهام محدثة أُعلن عنها يوم السبت بعض التفاصيل الجديدة والمتهمين الآخرين.

وتشمل لائحة الاتهام التآمر على الولايات المتحدة من خلال ممارسة عمل إرهابي مرتبط بتجارة المخدرات وتزعم عصابة مخدرات لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة بهدف الإضرار بها. كما تشمل التهم تزويد عصابات المخدرات بالسلاح.

ولا يحدد القانون الأميركي ماذا كان استهداف المتهمين مقتصر على الأراضي الأميركية أم يتعداه إلى خارجها. فهو لا يضع حدودا من هذا النوع.

لهذا فإنه من وجهة نظر القانون الأميركي فان عملية فنزويلا لا تشكل مخالفة أو تنتهك أي قانون.

من هنا تظل الإشكالية قائمة فيما يتعلق باعتقال الرئيس الفنزويلي. فهناك من سوف يحتج بالقانون الدولي ويرى فيه الفيصل في مثل هذه القضية، وبالتي سوف يعتبر أن ما حدث انتهاك لسيادة دولة وطعن في الشرعية الدولية وتقويض لمبادئ القانون الدولي.

لكن آخرين سوف يحتجون بالقانون الأميركي المحلي الذي يسمح بمثل هكذا عملية وسوف يتمسكون بسيادة القوانين المحلية على القوانين الدولية إذا تعلق الأمر بالجرائم المرتكبة ضد أميركيين أو ضد الولايات المتحدة.

هذا الاختلاف لن يحسم قريبا بطبيعة الحال، وككل عملية مثيرة للجدل، فإنها سوف تستهلك وقت وجهد العديد من السياسيين وكذلك وسائل الإعلام.

لكن الأمر المهم يظل هو كيف ستسير الأوضاع في فنزويلا نفسها بعد مادورو وما إذا كان الذي حدث سيكون سببا في رفع معاناة الفنزويليين وتحسين معيشتهم أخيرا أم لا.

فاذا صدقت وعود إدارة ترامب بأنها سوف تتولى إصلاح البنية النفطية المتهالكة وسوف تشجع الشركات الأميركية على ضخ الأموال والاستثمار في فنزويلا واذا التزمت الولايات المتحدة بالحد الأدنى من التدخل سياسيا في شؤون البلد فربما يساعد ذلك على تحقيق استقرار سياسي يرافقه نهوض اقتصادي وتتحول فنزويلا إلى بلد حليف للولايات المتحدة بدلا من بلد معاد لها.

الأمر كله سوف يعتمد على كيف تدير إدارة ترامب هذه العملية وتقنع الفنزويليين او أغلبيتهم بان اعتقال مادورو ليس موجها ضدهم أو ضد مصالحهم أو أن الولايات المتحدة هي في حالة حرب مع فنزويلا. بل على العكس من ذلك فان إزالته ونظامه ربما يفتح صفحة جديدة وفرصا غير مسبوقة أمام الفنزويليين.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *