بقلم/ عمران سلمان – 6 مايو 2026/
تتوهم الإدارة الأميركية وبدرجة أكبر إسرائيل إن هي اعتقدت أن بإمكانها التوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان.
واللقاء الموعود بين الرئيس اللبناني جوزيف عون مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو هو في الغالب مجرد سراب وليس له أصل في الأشياء.
الواقع أنه ليس حزب الله فقط الذي يعارض أي تقارب بين لبنان وإسرائيل، وإنما هناك أغلبية لبنانية ولأسباب ودوافع مختلفة لا تريد مثل هذا التقارب، بل هي تنظر إلى إسرائيل بمثابة عدو أبدي لا يجب – الآن أو في المستقبل – التصالح معه. يمكن قبول هدنة أو اتفاقات لوقف الحرب والقتال، لكن اتفاق سلام يسمح بتطبيع العلاقات بين البلدين، فإن دون ذلك خرط القتاد كما يقال.
ولهذا لا يجد حزب الله أو مؤيدوه حرج في الذهاب إلى أقصى مدى في مهاجمتهم للرئيس اللبناني ورئيس حكومته سواء فيما تعلق بالنزع المزعوم لسلاح الحزب أو إجراء لقاءات مباشرة بين المسؤلين اللبنانيين والإسرائيليين. ولم يجد هؤلاء غضاضة في اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة، وهناك تلميحات وتهديدات غير مباشرة بقتله إن هو تجرأ وصافح نتانياهو أو التقى به.
وهذا ليس بالأمر المستغرب في بلد مثل لبنان، حيث توجد أطراف عديدة لها مصلحة في تدبير الاغتيالات والقيام بخلط الأوراق وربما الذهاب إلى أبعد من ذلك مثل إشعال فتيل حرب أهلية إن كان ذلك سوف يمنع حدوث تقارب لبناني إسرائيلي.
ولبنان الرسمي العاجز عن التفاوض والاتفاق مع الإسرائيليين هو كذلك عاجز عن تجريد حزب الله من السلاح وحصره في يد الدولة وحدها، هذا بافتراض أن هناك دولة في الأصل.
والسبب هنا أيضا ليس فقط عجز وعدم قدرة الأجهزة الأمنية والعسكرية عن القيام بذلك، وهي تستطيع بالحد الأدنى أن تفعل شيئا إن هي أرادت، وإنما لأن الكثير من اللبنانيين لا يرون مشكلة في سلاح حزب الله. وباستثناء حزب القوات اللبنانية ومناصريه، وربما من يشبهونه سياسيا أو طائفيا، فان باقي الفرقاء اللبنانيين لا يزعجهم كثيرا سلاح حزب الله ما دام انه موجه بحسب ادعاء الحزب نحو إسرائيل في معظم الوقت وفي المناطق المحاذية لها.
أكثر من ذلك لا يبدو أن الكثيرين يجدون مشكلة كبيرة في بقاء الوضع الحالي في لبنان على ما هو عليه، بما في ذلك استمرار حالة عدم الاستقرار والاضطراب، إذا كان الثمن هو الإبقاء على جبهة “المقاومة” ضد إسرائيل مفتوحة.
الواقع أن الكثير من مجتمعات المنطقة لا يعنيها كثيرا وجود الدولة أو مسألة السيادة إذا تعارضت مع الانتماءات الدينية أو الطائفية وأحيانا القومية. إنهم يغلبون هذه الأخيرة على نحو واضح وبصورة تجعلهم يتساهلون مع فكرة غياب الدولة أو تغييبها إذا كان هناك ضمان لحضور الطائفة أو الدين بهذا الشكل أوذاك.
والأمثلة كثيرة وأسهل من أن تعد أو تحصى.
ولذلك فإنه إذا تعلق الأمر بالصراع مع إسرائيل فإن الكثير من مجتمعات المنطقة لا تبالي بوجود الميليشيات وتسيّدها، وحتى بالضد من وجود الدولة ومصالحها، إذا كان الشعار المرفوع هو مقاومة إسرائيل.
والحال أن إسرائيل تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه. فحتى في الحالات التي تبدي فيها استعدادها للتفاوض والتوصل إلى اتفاقات مع جيرانها، فإنه من الصعوبة بمكان إن لم يكن استحالة ضمان موافقتهم على السلام معها. السلام الذي لا يمنع الحرب فقط ولكن يؤسس لعلاقات طبيعية وعادية تشمل القبول والتعاون والعمل المشترك.
وهذا الرفض العربي ليس منبعه السياسة – وما تقوم به/ أو لا تقوم به إسرائيل – ولكنه ينبع من أن العقلية العربية والإسلامية لا تقبل سيادة نظام غير عربي أو إسلامي في أي منطقة يعتبرها هؤلاء جزءا من فضائهم التاريخي والديني. يمكن التساهل في حالة العربي فقط أوالإسلامي فقط، ولكن لا يمكن التسامح تجاه المغاير. هذا هو جذر المسألة الأعمق والباقي مجرد تفاصيل.
الآن في حالة لبنان ماذا يتعين على إسرائيل أن تفعله؟
من الواضح أنه وفي ظل انعدام أي فرص للسلام، لم يتبق لها سوى التركيز على الجانب العسكري والأمني والذي يتمثل في المتابعة الحثيثة لأنشطة حزب الله وتحركاته العسكرية وكذلك الفصائل الأخرى والعمل على إجهاض أي محاولة للحزب لإعادة بناء وجوده في الجنوب أو اتخاذه منطلقا لمهاجمة شمال إسرائيل. أي بالضبط أن تواصل ما تقوم به الآن، مع الانفتاح على زيادة وتيرة العمليات العسكرية وشدتها وسعتها كلما اقتضت الضرورة.
بالطبع هذا سوف يجعل لبنان عرضة لعدم الاستقرار والاضطراب الأمني والسياسي فضلا عن بقاءه رهينة لحزب الله فترة أطول. ولكن السؤال هو هل لدى اسرائيل خيارات بديلة؟ المؤسف لا.
أما اللبنانيين فهم قادرون على إقناع الإيرانيين أو الأتراك أو القطريين أو ربما بعض الخليجيين الآخرين على إرسال بعض المساعدات لهم من حين لآخر كي يتمكنوا من الصمود والمقاومة ضد إسرائيل.
