بقلم/ عمران سلمان – 8 نوفمبر 2025/
الإعلام العربي انتبه فجأة إلى السودان وحربه مع أنها أنهت أكثر من عامين ونصف تقريبا وتميزت منذ بدايتها بالبشاعة والتوحش ضد المدنيين وخاصة الحلقات الضعيفة في المجتمع، النساء والأطفال.
ومع ذلك فهي لم تحظ بما تستحقه من تغطية أو اهتمام، لأن مركز الثقل كله كان يتركز في غزة وإسرائيل باعتبارها، حسب الإعلام العربي، “العدو الصهيوني” و “كيان الاحتلال الاسرائيلي”!
لم يهتم الكثيرون بمأساة السودان ومدنييه ولم يحزن الكثيرون جراء ما تعرضوا له من قتل وتشريد ونزوح. ولم نشهد تغطية إعلامية حتى من النوع المتواضع للحرب في السودان.
فجأة ومع سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في أيدي قوات الدعم السريع وما ارتكبه مسلحوها من أعمال انتقامية ضد السكان، تحول الاهتمام العربي نحو هناك وأصبحنا نقرأ ونشاهد البكائيات واللطم في كل مكان.
هناك من غمز من قناة غزة حيث أن الحرب قد انتهت وبالتالي يحتاج الإعلام إلى مادة دسمة أخرى يتغذى عليها. والحرب السودانية فيها كل ما يكفي لإشباع نهم هذا الإعلام وخاصة أن الطرف المتهم بارتكاب الفظاعات، في حالة الفاشر، ليس هو الجيش أو الإخوان المسلمين وإنما الطرف المقابل لهم، مع أن أولئك لم يقدموا الورود للسكان في المناطق التي سيطروا عليها.
هناك أيضا من غمز من قناة الاصطفافات السياسية العربية التي تلف هذه الحرب، والمقصود هو وقوف بعض الدول العربية مع قائد الجيش عبدالفتاح البرهان ووقوف دولة أو دولتين مع الطرف الآخر وهو قائد الدعم السريع محمد حميدتي.
وأن الاهتمام المفاجىء والجديد سببه الصراع بين هذه الأطراف ليس إلا.
أياً يكن السبب فالواضح هو أن أيا من الدول العربية لا يهمها حل المشكلة السودانية بقدر ما يهمها هو انتصار هذا الطرف أو ذاك ضمن سياسة التحالفات في المنطقة.
الواقع أن مشكلة السودان لا تكمن في البرهان أو حميدتي، فهما – وكذلك نزاعهما – مجرد تجلّ لمشكلة أعمق وأكبر يعيشها السودان منذ استقلاله عن بريطانيا ومصر في عام 1956.
منذ ذلك العام لم يهدأ السودان ولم يشهد وضعا سياسيا مستقرا إلا في فترات قليلة، إذ سرعان ما ينقلب الجيش على السلطة المدنية ليجد نفسه بعد عدة سنوات في مواجهة ثورة أو انتفاضة شعبية تطيح به وتاتي بنظام مدني وهكذا. وما بين الثورات والانقلابات تنشط حركات التمرد المسلحة (كبيرها وصغيرها) هنا وهناك.
للأسف لم يسأل أحد ما سبب عدم استقرار السودان المزمن، ولماذا يعاني منذ الاستقلال؟
هل هي مصادفة أم سوء حظ أم بسبب تكالب دول الجوار والقوى الإقليمية عليه؟
الحقيقة هي ليست في أي من هذا. السبب الحقيقي هو أن السودان الذي نعرفه لم يكن يمثل بصورة حقيقية وعادلة جميع مكوناته وشعوبه وجماعاته البشرية.
النخبة التي سيطرت على السودان منذ الاستقلال وقدمت نفسها على أنها السلطة السياسية أو الدولة هي تنتمي فقط إلى الجزء الشمالي من السودان. وهي نخبة حاولت تقديم نفسها على أنها ممثلة للإسلام والعروبة كي تكتسب شرعية داخلية وخارجية. لكن الحقيقة أنها لم تكن تمثل في أفضل الأحوال سوى 20 أو 30 في المئة من سكان السودان.
وأكثر من هذا حاولت أن تقنن ذلك عبر الإعلام والقوانين والتشريعات والتوزيع الإداري والتمثيل السياسي والخطاب الإيديولوجي على نحو فاضح وتعسفي.
هذا الخلل كان على الدوام يولّد حالة من الرفض والتململ والشكوى التي سرعان ما تتحول إلى تمرد في الجنوب وفي الغرب وفي الشرق. وليس من باب المصادفة أن الشمال هو الجزء الوحيد الذي لم يشهد حركات تمرد مسلحة لأنه هو الحاكم وليس من المعقول أن يتمرد على نفسه.
كل محاولة تتجاهل هذا الواقع السوداني المختل لن تنتج أية حلول سياسية ولن تنهي المشاكل وعدم الاستقرار. على العكس من ذلك هي تمد مجرى الانفصال والتفتت بمياه جديدة.
الحل الواقعي الممكن اليوم للحفاظ على ما تبقى من السودان هو إعادة تعريف الدولة وخلق هوية جديدة تقوم على أساس علماني كونفدرالي وديمقراطي. دولة تمثل جميع سكانها بالعدل والتساوي، في الحقوق والواجبات. دولة ليست عربية ولا إسلامية، وانما مجرد دولة لجميع السودانيين.
بالطبع هذا لن يحدث من خلال المؤتمرات والاجتماعات الحزبية والسياسية وإنما عبر المبادرات الشجاعة والاعتراف العلني بالأخطاء السابقة والتعهد بإصلاحها والعمل على خلق ثقافة جديدة من خلال تغيير منظومة التعليم والإعلام والخطاب الاجتماعي ويواكب ذلك كله صياغة جديدة للقوانين والتشريعات في البلاد.
