بقلم/ عمران سلمان – 27 مايو 2025/
الهجوم الشرس، والمتعدد الأطراف الذي تتعرض له “مؤسسة غزة الإنسانية” والتي أنشئت بدعم أميركي وموافقة إسرائيلية لتقديم المساعدات الإنسانية لسكان قطاع غزة، ليس سببه خطأ ما ارتكبته هذه المؤسسة، وإنما لأن وجودها نفسه وعملها سوف يقدم بديلا عن مؤسسات الأمم المتحدة الفاسدة والبيروقراطية التي احتكرت حتى الآن تقديم المساعدات، كما أنه سوف يمنع (أو على الأقل يحد من قدرة) المنظمات الإرهابية وخاصة حركة حماس من سرقة المساعدات والاستيلاء على الغذاء والدواء المخصص للسكان والمتاجرة به.
الهجوم الشرس إذن ليس سببه هو الخشية من أن تفشل مؤسسة غزة في مهمتها أو تقصر في أدائها لإطعام الغزيين أو تتخلى عن الحياد والنزاهة، كما زعمت منظمات الأمم المتحدة، ولكن الخشية الحقيقية هي أن تنجح هذه التجربة ويصار إلى إمكانية تعميمها في المناطق والنزاعات الأخرى. الأمر الذي سوف يدفع العديد من الدول للاستغناء عن خدمات تلك المنظمات، أو على الأقل بعضها.
وعلى عكس منظمات الإغاثة الدولية التي تعتاش على استمرار الأزمات والاستثمار في عدم حلها، فان مؤسسة غزة الإنسانية بوصفها مؤسسة خاصة سوف ينتهي عملها بمجرد انتهاء مهمتها.
الواقع أنه ما من أزمة دولية كبيرة أو صغيرة وجدت لها حلولا بفضل تدخل أجهزة الأمم المتحدة. العكس هو الصحيح، وحتى قوات حفظ السلام وقوات المهمات المشابهة ما إن تدخل في منطقة حتى يصبح وجودها هناك إلى أبد الابدين. فهي لا تراقب ولا تمنع المنتهكين للاتفاقيات ولا تساعد على تطبيقها وتنفيذها، بل تهتم بتأمين وجودها واستمرار عملها وتمويلها في المقام الاول.
ولعل في تجربة الأونروا أكبر دليل. فهذه المنظمة التي يفترض أنها أنشئت من أجل حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين – وليس معروفا بعد لماذا لم يجعلوا هؤلاء اللاجئين من اختصاص مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بدلا من إنشاء منظمة خاصة بهم – لم تتمكن من حل قضية لاجىء فلسطيني واحد منذ أكثر من 70 عاما. بل على العكس من ذلك فلكي تبرر استمرار وجودها فإنها توسعت في عملها ونشاطاتها وتمويلها، كما عملت على تعميق وتوسيع مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وتضخيمها باحتساب كل الأجيال الفلسطينية التي أتت بعد الحروب وعمليات النزوح باعتبارهم لاجئين!
وكل أزمة لاجئين في العالم منذ ذلك الحين تمت تسويتها بشكل من الأشكال، إلا مشكلة اللاجئين للفلسطينيين، والسبب هو أن استمرار وجود اللاجئين الفلسطينيين مرتبط باستمرار وجود الأونروا والعكس صحيح. فاذا حلت قضية اللاجئين فإنه لن يعود للاونروا سبب للوجود. وهذا يعني أن 30 الف شخص هم عدد موظفي الأنروا سوف يخسرون وظائفهم، كما سوف تخسر العديد من الدول الناشطة في هذه القضية قدرتها الحالية على التأثير التي تستخدمها في هذا الشأن.
لذلك فعلت الحكومة الإسرائيلية الصواب بحظر عمل الأونروا وطردها من إسرائيل والمناطق الفلسطينية وسوف تفعل الصواب أيضا إن هي قاومت الضغوط الحالية لاستبعاد مؤسسة غزة الإنسانية، وأصرت على استمرار عملها.
الواقع أن وجود منظمات مثل الأونروا كان له دور سلبي في تعزيز قدرة وعمل المنظمات الإرهابية المسلحة واستمرار نشاطاتها. وفي حالة غزة مثلا فقد أزاح انتشار نشاط الأونروا بين السكان والذي شمل توفير التعليم والصحة والغذاء أية مسؤولية عن كاهل حركة حماس التي كانت تدير القطاع وجلعها تتفرغ لتصنيع الأسلحة وبناء قوتها العسكرية، بدلا من توفير الخدمات والحاجات الأساسية لسكان غزة.
ولهذا السبب اعتبرت حماس أن حماية سكان غزة من القصف الإسرائيلي هو من مسؤولية الأمم المتحدة، وليس من مهمتها هي، كما يقول القيادي في الحركة موسى أبو مرزوق!
والشيء نفسه يمكن ملاحظته في اليمن، حيث أعفى وجود المنظمات الدولية المتكفلة بتوفير الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية جماعة الحوثيين من مسؤولية توفير هذه الخدمات للمواطنين وجعلها تتفرغ للقتال وللأعمال العسكرية .. كما لو أن الأمم المتحدة ومنظماتها أصبحت شريكا فعليا للجماعات الإرهابية، ووسيلة للتغطية عليها وحمايتها!
ولا حاجة للقول بأن حماس وداعميها في قطر وفي غيرها سوف يبذلون كل ما يستطيعون من أجل التشكيك في جدوى مؤسسة غزة وإفشال عملها على الأرض وفي المحافل الدولية، ولا يستبعد أن يلجأ مسلحو حماس وأفرادها المتنكرين في زي المدنيين إلى مهاجمة مراكز المؤسسة وسرقتها وتدميرها. إنهم سوف يفعلون كل ما يستطيعون من أجل إثبات أنها غير قادرة على القيام بمهمتها ، الأمر الذي سوف يمهد الطريق لعودة البقرة (الأونروا) التي تمدهم بالحليب. الأمل هو أنهم لن ينجحوا هذه المرة وأن تتمكن إسرائيل من مقاومة الضغوط والحرب النفسية ضدها.
