بقلم/ عمران سلمان – 30 يناير 2026/
ليس هناك شك بأن سقوط النظام الإيراني (على يد المحتجين أو على يد الولايات المتحدة) لن يرضي الكثيرين وخاصة دول الجوار، بما في ذلك السعودية وتركيا وقطر.
فأي نظام سوف يخلف نظام الملالي الحالي سيكون نظاما علمانيا مواليا للغرب وربما سوف يقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل. هذا النظام سيكون منافسا طبيعيا لدول الجوار وسوف يستحوذ على الاهتمام الأميركي وربما التحالف الوثيق أيضا مع الولايات المتحدة.
وإلى ذلك هو سوف يعيد المنطقة برمتها إلى الوضع الذي كان سائدا قبل الثورة الإيرانية عام 1979 (أو شيئا مشابها لذلك)، وبالتأكيد سوف يسدد ضربة قاضية إلى حد كبير إلى الإسلام السياسي.
لكي نفهم هذا الأمر علينا أن نسترجع بعض الشيء تلك الظروف ونرى كيف أن الثورة الإيرانية لم تتسبب في تغيير إيران فحسب وإنما المنطقة برمتها.
فصعود نظام ديني في طهران وما حمله من أسلمة للمجتمع الإيراني على النحو الكثيف الذي ظهر به وبالشعارات المعادية للولايات المتحدة والغرب، قد شجع جميع الحركات والجماعات الإسلامية على اختلاف أنواعها ودرجاتها على انتهاز الفرصة والعمل على أسلمة جميع مناحي الحياة في المجتمعات السنية، بنفس الطريقة التي جرت فيها العملية في المجتمعات الشيعية.
وهذه الفترة هي التي عرفت فيما بعد بالصحوة الإسلامية. وقد تميزت بانتعاش النشاط الديني، السني والشيعي كل في بيئته، وبطريقة جرت أدلجة أجيال من الشباب والأطفال بالأيديولوجية الدينية، ومورست ضغوطات هائلة على الأجيال الأخرى، بما في ذلك كبار السن كي يغيروا من عاداتهم وطبائعهم التي ورثوها من أسلافهم ويلتحقوا بتيار الصحوة الإسلامية، وتقليد رجالاتها في الملبس والمأكل وأسلوب الحياة.
بمعنى آخر فإن الثورة الإيرانية رسمت مسار التطور الاجتماعي والثقافي في المنطقة لأجيال تلت ذلك، وعلى نحو جعل من الصعوبة بمكان على مجتمعات المنطقة أن تبني أي نموذج عصري أو حداثي ذي معنى.
كما رافق تلك الثورة ظهور الميليشيات الإسلامية بمختلف أنواعها، على الجانب السني والشيعي على السواء. ودعمت طهران بصورة فعلية وعبر الإلهام المعنوي العشرات من هذه الميليشيات، سواء فيما عرف في البداية بسياسة تصدير الثورة أو فيما بعد بمحور المقاومة.
وعانت دول المنطقة من هذه السياسات بصورة عميقة، حيث تركزت العقيدة الأمنية للعديد من الدول العربية وعلى مدى سنوات طويلة على مكافحة هذه الميليشيات والحد من خطرها.
وبعد أن توقفت رسميا الحروب بين الدول العربية وإسرائيل، أصبحت الميليشيات المدعومة من إيران، سواء حركتي حماس والجهاد الإسلامي أو حزب الله أو الميليشيات الشيعية في العراق واليمن هي التي تخوض أو تتسبب في خوض هذا النوع من الحروب، وما يؤدي إليه من دمار وخراب للبلدان العربية.
لذلك فإن سقوط النظام الإيراني أخيرا سوف يطوي هذه الحقبة، ويفتح حقبة جديدة. وحتى الآن قد يبدو من الصعب التكهن بالبديل القادم في إيران، وهناك مخاوف من أن يستبدل النظام الحالي بالفوضى وعدم الاستقرار، وهي مخاوف مشروعة دون شك. لكن الاختلاف الواضح للمجتمع الإيراني عن دول الجوار والتماسك الاجتماعي الكبير الذي يظهره وعدم ظهور نزعات انقسامية أو انفصالية فيه، ربما يجعل تفكك الدولة أو شيوع الفوضى فور سقوط النظام احتمالا بعيدا. الأرجح أن فئات اجتماعية وسياسية جديدة ربما تسارع إلى سد الفراغ الناجم، وربما يضطر الإيرانيون إلى عبور مرحلة انتقالية ريثما يستقر الوضع في البلاد.
في جميع الأحوال فإن تكلفة سقوط النظام الحالي، مهما بلغت، لن تكون أعلى من تكلفة بقاءه. العكس هو الصحيح. فالدمار والخراب الذي أحدثه هذا النظام سواء داخل إيران أو خارجها يجعل من رحيله أمرا محبذا على نحو تصعب مقاومته. كما يعني أن المستفيدين من رحيل النظام هم أكثر بكثير من المستفيدين من استمراره.
