الانتصار والهزيمة في عرف محور “الشر”  

بقلم/ عمران سلمان – 29 يونيو 2025/

إيران أعلنت انتصارها على إسرائيل والولايات المتحدة في الحرب الأخيرة، كما أعلن حزب الله أنه خرج من معركته مع إسرائيل منتصرا وحتى حماس التي أوشكت على الانقراض بعد أن دمرت قطاع غزة تعتبر نفسها منتصرة، وكذلك الحوثي الذي يعيش في الكهوف المظلمة لم يتوان عن احتفائه بالانتصار على أميركا بعد أن أعلن الرئيس ترامب وقف الهجمات على اليمن.

ومن العبث محاولة إقناعهم بخلاف ذلك، فالانتصار بالنسبة لهؤلاء ليس رجحان كفتهم في الميدان، وإنما هو جزء من الحرب النفسية التي يخوضونها في سعيهم لإثبات أن ما يهم هو بقائهم على قيد الحياة وأنهم موعودون بالنصر الآن أو بعد حين. وأعدائهم موعودون بالهزيمة الآن أو بعد حين.

لا يهمهم المنطق ولا النتائج ولا الوقائع، ولا تهمهم أعداد القتلى وحجم الدمار الذي يلحق بهم وببلدانهم ولا يعنيهم المستقبل أو كيف ينظر الآخرون لهم.

ولأنهم يحرصون على عدم الاعتراف بالهزيمة مهما كلف الأمر، لذلك فإنهم يجهزون أنفسهم والآخرين لإعادة الكرة مرة أخرى، فإنهم إن لم ينججوا هذه المرة فربما ينجحون في المرات القادمة.

ان الاعتراف بالهزيمة في حال وقوعها في أي حرب أو نزاع عسكري يخدم هدفا رئيسيا وهو أن يفتح المتصارعان صفحة جديدة، فلا يكرروا نفس الأخطاء أو يعيدوا نفس التجارب. اعتراف اليابان وألمانيا بالهزيمة في الحرب العالمية الثانية هو الذي مكن البلدين من طي صفحة الماضي وخوض تجربة جديدة من النهوض والتقدم.

لو تمسك الألمان واليابانيون بوهم أنهم انتصروا في الحرب لشهدنا حروبا ونزاعات جديدة ولبقوا يجترون الماضي ويعتاشوا على فكرة الضحية وتأبيد فكرة الصراع نفسها. وكان ذلك كفيلا بأن يصرفهما عن التقدم الاقتصادي والتكنولوجي والاستقرار السياسي الذي ينعمان به حاليا.

إحدى المشاكل الكبيرة في العلاقة بين الدول العربية وإسرائيل ينبع من هذه الثقافة تحديدا، ثقافة ادعاء الانتصار ورفض الاعتراف بالهزيمة. كان يمكن للهزيمة في حروب عامي 1948 أو 1967 أوما تلاها من مواجهات عسكرية مع الفلسطينيين في لبنان وغيرها، أن تفتح صفحة جديدة في العلاقة بين هؤلاء وإسرائيل تقوم على نبذ الحروب والقتال والقبول بالواقع الجديد وجعله نقطة انطلاق نحو المستقبل، القائم على التنمية والسلام وعلاقات الشراكة والتعاون. وكان يمكن لذلك أن يساعد مجتمعاتنا في التركيز على بناء الدولة وتقوية المؤسسات ومن ثم خوض تجارب في التحديث وتنمية الإنسان.  

 للأسف جميع هذه الحروب انتهت إما بهدن أو وقف إطلاق النار ولم يتم الاعتراف بوجود منتصر ومهزوم، رغم أن نتائج الحرب كانت واضحة وآثارها جلية على ارض الواقع.

لذلك حين تتحدث إيران أو حزب الله أو حماس أو الحوثيين عن الانتصار ورفض الاعتراف بالهزيمة فهذا ليس أمرا فريدا من نوعه. إنه يندرج ضمن تقاليد وأعراف المنطقة، ومن تقاليدها وألأعرافها أيضا أن ذلك هو تمهيد لجولات قادمة من الحروب والمواجهات العسكرية.

لدى إسرائيل فرصة لتغيير هذا الواقع في قطاع غزة، فإن هي اصرت على مواصلة القتال حتى اجتثاث حركة حماس نهائيا فهذا ربما يكون الاستثناء الذي لا يلغي القاعدة، لكن هناك محاولات وضغوطات أميركية وغيرها اليوم من أجل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة أيضا، الأمر الذي سوف يحرم إسرائيل من إعلان الانتصار وربما يتيح لحماس هي الأخرى أن تعلن انتصارها.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *