أقصى اليمين وشبح الهجرة غير الشرعية

بقلم/ عمران سلمان – 12 سبتمبر 2026/

فوز حزب البديل من أجل ألمانيا ب 44 في المئة من الأصوات في ولاية ساكسونيا – أنهالت الشرقية يوم الأحد الماضي (6 سبتمبر 2026)، لم يكن حدثا منبت الصلة أو خارج السياق الطبيعي لتطور الأحداث، سواء في ألمانيا أو أوروبا أو في العالم.

الواقع أن أحزاب أقصى اليمين تحقق نتائج غير مسبوقة منذ أكثر من عقد من الزمان في كل مكان تجري فيه انتخابات حرة.

وفي حين أنه لا أحد يتوقع أن يحكم حزب البديل ألمانيا في السنوات القليلة المقبلة على الأقل، وإن كان كل شيء ممكنا، إلا أن الإزاحة التي تقوم بها نتائج الانتخابات في أوروبا عموما تبدو مهمة لمستقبل هذه الدول. حيث أن الشعارات التي كانت ذات يوم توصف بأنها متطرفة أو متشددة أو تجنح إلى أقصى اليمين أو حتى عنصرية أصبحت اليوم شعارات عادية. فالأحزاب التقليدية التي روعها فوز أحزاب أقصى اليمين تهرع إلى تبني اطروحات هذا التيار إما رغبة في جذب الناخبين والمؤيدين أو تقليص القاعدة الانتخابية لهذا التيار. وليس هناك ما يدل على أنها تحقق نجاحا في الحالتين.

وسواء تعلق الأمر بقضايا الهجرة غير الشرعية واللجوء أو الموقف من الاتحاد الأوروبي أو بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية تبدو هذه الأحزاب في طريقها إلى الانحراف عن خطها التقليدي في سبيل اللحاق بالموجة الصاعدة.

ورغم الطابع السياسي التكتيكي لهذا المنحى، إلا أنه يشير في الوقت نفسه إلى حجم القضايا المطروحة ولا سيما مسألة الهجرة غير الشرعية والتي يبدو أنها باتت المحرك الأساسي للتطورات السياسية في العديد من البلدان، فهل هذا من قبيل الصدفة؟

غزو جماعي

يخطىء الذين يعالجون هذه القضية من منظور ما كان سائدا خلال العقود القليلة الماضية من حيث أن الهجرة أو اللجوء هي جزء من الالتزام الأخلاقي والقانوني الذي تفرضه الأنظمة السياسية والمبادىء التي تقوم عليها الدول الغربية.

هذه النظرة ربما كانت تصلح للماضي حيث أن أعداد وطبيعة المهاجرين كانت متوائمة مع الشكل التقليدي للجوء والأسباب الكامنة وراءه. لكن الحقيقة اليوم هي أن مسألة الهجرة غير الشرعية لا علاقة لها بكل ذلك وانما هي انزياح بشري من مناطق جغرافية بأكملها إلى مناطق جغرافية أخرى وهو يتم بصورة مضطردة ومنظمة تشارك فيه عصابات وجماعات الجريمة المنظمة وشبكات التهريب وأجهزة بعض الدول.

فالأمر لا يتعلق بالظروف القاهرة كالحروب أو القمع السياسي أو الكوارث الطبيعية التي تدفع عادة مئات آلاف البشر للهروب من أماكنها والبحث عن ملاجىء آمنة، ولكن أصبحت الهجرة اليوم عبارة عن محاولة للبحث عن فرص اقتصادية وتحسين مستوى المعيشة. وفي ظل العجز في التنمية وفشل العديد من أنظمة ودول الجنوب في ميدان الاقتصاد والسياسة وفي ظل غياب الاستقرار السياسي والمالي يبحث العديد من الناس عن مواطن جديدة لهم وهم يتدفقون بأعداد كبيرة نحو الشمال الغني والمتقدم.

بالضبط كما كان يحدث في العصور القديمة في شبه جزيرة العرب مثلا حينما يشح الكلأ وتنضب آبارالمياه فتهاجر القبائل إما شمالا أو شرقا حيث الأنهر والعيون الطبيعية وحيث توجد المراعي والزراعة ومصادر الغذاء. ويتم ذلك من خلال ما كان يعرف بالغزو حيث يتم نهب وتدمير المجتمعات القائمة ومع الوقت يتم إنشاء مجتمعات جديدة على أنقاضها  وهكذا.

لذلك فإن الخوف في المجتمعات الأوروبية من هذا النوع المنفلت من الهجرة له ما يبرره وهو يضغط بشدة على مجالات الاقتصاد وفرص العمل والصحة والسلم الاجتماعي والأهلي، الأمر الذي يمنح الأحزاب والتيارات المناهضة للهجرة غير الشرعية جاذبية خاصة ومنطقا يتجاوب مع مخاوف الناس ويستجيب لشعورهم الغريزي بالخطر.

عدم الاندماج

الأمر الآخر الذي يفاقم هذه الظاهرة هو عدم قدرة هذه المجتمعات على هضم وإدماج القادمين الجدد، إما بسبب أعدادهم الكبيرة أو لصعوبة اندماج بعضهم لأسباب ثقافية أودينية. والواقع أن معظم هذه المجتمعات (وخاصة القليلة العدد منها) هي أصلا غير مصممة لاستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين أو المهاجرين غير الشرعيين في فترة وجيزة نسبيا. على سبيل المثال استقبلت السويد في عام 2015 وحده (حيث كان عدد سكانها وقتها قرابة 9 ملايين نسمة) حوالي 163 ألف طالب لجوء!

وفي العادة هناك ما يكفي من البرامج لدى العديد من الدول الأوروبية التي تساعد المهاجرين على الاندماج والانخراط في سوق العمل وكذلك في النشاطات الاجتماعية والسياسية. وتبين الموجات الأولى من الهجرة من بلدان العالم الثالث إلى هذه الدول كيف توطن المهاجرون وأصبحوا جزءا من النسيج الاجتماعي لهذه المجتمعات، ويوجد العديد من السياسيين والأشخاص البارزين في العديد من المجالات ممن ينتمون إلى أصول مهاجرة من الوجوه المعروفة اليوم في الكثير من البلدان الغربية.

ومن الصعب التمييز بينهم وبين نظرائهم في نفس البلد إلا من خلال الأسماء أو ربما بعض المظاهر الخارجية، لكنهم ينتمون إلى أحزاب سياسية حاكمة أو معارضة كما يشغل بعضهم مناصب برلمانية أو وزارية رفيعة في حكومات هذه البلدان.

هذا النوع من الاندماج هو الذي تنشده هذه المجتمعات وهو الذي صممت القوانين والتشريعات والبرامج الخاصة بالهجرة من أجل تحويله إلى واقع معاش.

وفي بلد مثل أميركا شهد موجات متتالية من الهجرة من دول أوروبية وآسيوية وأميركية جنوبية وشرق أوسطية، عانت كل موجة من مصاعب ومتاعب الاندماج في البداية، لكنها سرعان ما وجدت طريقها إلى المجتمع الأميركي وأصبحت جزءا لا يتجزء منه.

أما الهجرات الحالية فهي تتم في سياق مختلف، إذ هي تتميز بالأعداد الكبيرة من المهاجرين، وبأنها خارج السيطرة في الكثير من الأحيان، وفي الغالب تضم مزيجا من الباحثين عن وضع اقتصادي أفضل وبعض اللاجئين الحقيقيين وبعض الخطرين أمنيا الهاربين من بلدانهم. وفي العادة فإنهم يفرضون أمرا واقعا على سلطات البلدان المستقبلة عبر التدفق عبر البحر أو الاندفاع عبر الحدود البرية. أما الذين يصلون عبر المطارات ويخضعون للإجراءات المتبعة فهم أقليلة ضئيلة.

قصارى القول إن فوز أحزاب أقصى اليمين في الانتخابات سواء في ألمانيا أو غيرها ليس ظاهرة مؤقتة ما دامت الهجرة غير الشرعية مستمرة وما دامت هذه البلدان لم تتمكن من إيجاد الوسيلة الناجعة للتعامل مع هذا الملف، بشكل يبدد مخاوف المجتمع ويمنح اللجوء للمضطهدين والمطاردين الذين يحتاجونه ويستحقونه فعلا ويقفل الباب أمام اللاجئين المزيفين من منتهزي الفرص واللاجئين الاقتصاديين والأمنيين.  

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *