بقلم/ عمران سلمان – 7 يوليو 2026/
لفترة طويلة نسبيا، وربما لا يزال حتى اليوم، ثمة سؤال مهم يشغل الباحثين وهو لماذا لم تجد أفكار وقيم الحضارة الحديثة قبولا في مجتمعاتنا، لا سيما بمضامينها الرئيسية من حكم القانون والقبول بالآخر والحريات الأساسية (مثل حرية الرأي والمعتقد .. الخ) والأنظمة السياسية القائمة على التداول والفصل بين السلطات والمحاسبة؟
اختلفت الإجابات على هذا السؤال (أو الأسئلة) ما بين التيارات والتوجهات الثقافية والفكرية والسياسية المختلفة (من ليبرالية ويسارية وقومية وإسلامية .. الخ)، بما لا يسمح المجال هنا للتفصيل في ذلك.
لكن ما لا يختلف كثيرون عليه هو أن قيم الحداثة لكي تنجح وتتوطد هي بحاجة على الأقل إلى سياق مجتمعي حقيقي وأرضية مناسبة، ويأتي على رأس ذلك وجود دولة راسخة لديها مؤسسات قائمة بذاتها ومجتمع يمتلك وعيا وثقافة ترى في قيم الحداثة أسلوب حياة ووسيلة مثلى لتنظيم العلاقة بين الأفراد وبينهم وبين الدولة، وليست مجرد أفكار أو شعارات.
حداثة الدولة
وبودي هنا التركيز بالذات على مسألة الدولة تحديدأ فهي باعتقادي مفتاحا لفهم الكثير من مشاكلنا المزمنة في المنطقة العربية.
ولعل أول ما يلاحظه الباحث هو أن معظم الدول العربية التي نعرفها اليوم تأسست خلال المائة عام الماضية فقط. وهي فترة وجيزة جدا بمقاييس التاريخ.
وباستثناء بعض الممالك القديمة (مثل الدولة العلوية في المغرب – العائلة المالكة الحالية، وكذلك الدولة المتوكلية في شمال اليمن ومملكة محمد علي باشا وعائلته في مصر والسودان) وباستثناء بعض المشيخات في الخليج (مثل سلطنة عمان والبحرين والكويت) فإن معظم الدول العربية الحالية لم تكن قد نشأت بعد كدول بالمعنى التقليدي للكلمة بقدرما كانت أجزاء منفصلة أو متداخلة مع أجزاء من مجتمعات مجاورة. وكان الناظم الوحيد لتماسك المنطقة النسبي هو الدولة العثمانية التي كانت لها تقسيماتها الادارية المختلفة ( ولاية، سنجق/لواء، قضاء، ناحية، وأصغرها قرية) وكانت هذه التقسيمات التي استمرّت لحوالي 400 عام هي السائدة في بعض المناطق مثل الشام مثلا ولم تكن أسماء العديد من الدول التي نعرفها اليوم موجودة أو متداولة.
وللمفارقة فان الأسماء الحديثة هي من وضع الانتدابين الفرنسي والبريطاني، مثلها مثل تأسيس هذه الدول نفسها، كالعراق وسوريا والأردن.
هذا العمر القصير نسبيا للدولة العربية وكذلك الحداثة النسبية للأجهزة ومؤسسات الدولة فيها يجعلنا ابتداء نتفهم صعوبة وإشكالية ادخال قيم وقوانين ومبادىء الحداثة إلى هذه المجتمعات.
الدولة في الوعي المجتمعي
الأمر الآخر هو ضعف حضور الدولة بشكل عام، ليس فقط في المجال العام وانما في الوعي المجتمعي. فمفهوم الدولة عند الأفراد يرتبط غالبا بمفاهيم سلبية. ويخلط الناس عادة بين الدولة وبين أجهزة السلطة أو الحكومة. ومن النادر أن تحظى الدولة بأي إطراء أو ينسب لها الفضل في تماسك المجتمع مثلا.
ولعل إلقاء نظرة على الكثير من الأدبيات المتداولة في العقود الأولى للقرن الماضي (الفكر القومي على سبيل المثال) كفيلة بإعطائنا لمحة عن كيفية النظر إلى الدولة.
فالتوق الغالب لمجتمعات المنطقة هو نحو الإمبراطوريات أو دولة الخلافة الإسلامية. كانت معظم النخب العربية، سواء خلال فترة الانتداب أو بعده، تتطلع إلى تأسيس مملكة عربية، وكانت الحواضر العربية، وخاصة في الشام ترى نفسها ليس نواة لدول حديثة وإنما جزء من دولة أكبر.
هذا الهاجس كان طاغيا إلى درجة أن هذه الحواضر كانت تعتبر الدول التي سميت فيما بعد بالقطرية هي مؤامرة غربية لتقسيم المنطقة.
الأمر المثير هنا هو أن النخب العربية في ذلك الوقت لم تستوعب أو تقبل حقيقة أن زمن الممالك أو السلطنات أو الامبراطوريات الكبيرة (المؤلفة من عدة مناطق أو دول) قد انتهى مع الحرب العالمية الأولى وأن العالم الجديد الذي تشكل على أنقاضها هو عالم الدول القومية أو المدنية الحديثة. وهذا بالضبط كان هو هدف الانتداب الذي أوكلته عصبة الأمم لبريطانيا وفرنسا لمساعدة السكان في المناطق التي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية على تشكيل دول حديثة بأنسب الطرق الممكنة.
من هنا يتبدى لنا أن من عوامل ضعف الدولة العربية الحديثة، إضافة إلى الحداثة الزمنية، كذلك نزوع في الثقافة العربية والإسلامية (إذا جاز التعبير) للاندماج ضمن الاميراطوريات أو الدول الكبيرة.
الميليشيات المسلحة
الأمر الثاني الذي يمكن أن نشير إليه هنا فيما يتعلق بحداثة سن الدولة العربية هو الرغبة المتأججة في التمرد على هذه الدولة عند أقرب فرصة سانحة. وهذا التمرد، الذي يحظى في الغالب بقبول لا بأس به، يتم لمصلحة أشكال اجتماعية بدائية أو سابقة على الدولة، مثل التعبيرات الدينية والطائفية أو القبلية والعشائرية والجهوية وما إلى ذلك.
وهذا ما يفسر السهولة النسبية لنشوء الميليشيات المسلحة في بعض المجتمعات العربية واستمرار وجودها واتخاذ هذا الوجود أشكالا وتبريرات مختلفة وأحيانا لا علاقة لها بالسبب الأساسي الذي وجدت من أجله.
وبالطبع ظاهرة الميليشيات هذه ليست فقط ضارة بالمجتمعات ولكنها تضرب في مقتل مفهوم الدولة وسيادتها. فالميليشيات في جوهرها وحقيقتها هي بديل عن الدولة ومنازعة لها في وجودها وسلطتها. بل أن وجودها نفسه هو تعبير في الكثير من الأحيان عن غياب الدولة أو تغييبها.
وليس من باب المصادفة أن نلاحظ أنه كلما كان وجود الدولة راسخا وقديما كلما صعب على الميليشيات أن توجد، وإن وجدت فإنها سرعان ما تقمع ويتم القضاء عليها، والعكس صحيح. فحيثما كانت الدولة حديثة كلما كانت عرضة لتفشي الميليشيات وانتشارها وصعوبة التخلص منها.
هذا يقودنا إلى الاستنتاج الأساسي وهو أن أي تطور اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي ذي مغزى وحقيقي وجوهري في مجتمعاتنا لا يمكن أن يحدث في ظل غياب دولة ذات سيادة وتتمتع بالقبول والشرعية وحاكمة بمؤسساتها وأجهزتها المختلفة. وحتى في ظل حداثة سن الدولة العربية، وهو ما يعقد المهمة شيئا ما، فإن انصياع المجتمع للدولة واحترامها وعدم تحديها من شأنه أن يرسخ حكم القانون ويحقق الأمن والاستقرار، وهو ما يهىء البيئة المناسبة للتطور والتقدم.
ولا يمكن تحقيق ذلك من دون الاشتغال على تشكيل ثقافة ووعي جديدين من خلال التعليم والخطاب السياسي والديني والاجتماعي العام.
