الاتفاق الأميركي الإيراني انتصار بطعم الخسارة

بقلم / عمران سلمان – 20 يونيو 2026/

الانتقادات الموجهة للاتفاق الذي وقعه الرئيس الأميركي ترامب مع إيران وبموجبه تم وفق الحرب، مصيبة في معظمها ولاسيما اعتبار أن الاتفاق جاء في مصلحة الحكومة الإيرانية على أقل تقدير.
وباستثناء المسألة النووية التي أصر ترامب بشأنها على الحصول على تعهد إيراني بعدم حيازة أو صنع سلاح نووي، وهذا مكسب جوهري في حال التزم الإيرانيون به، فإن باقي البنود التي شملها الاتفاق لا تحمل جديدا أو قيمة كبيرة.

على العكس من ذلك فإن ما سكت الاتفاق عنه يعتبر أخطر بكثير مما أتى على ذكره.

والمقصود هنا هو الدور الإقليمي الإيراني، ولا سيما دعم الميليشيات المسلحة في المنطقة، وكذلك برنامج الصواريخ البالستية والنهج السياسي الإيراني المعادي لجيرانه والقائم على التوسع والسيطرة.

هذه القضايا المهمة لم يشملها الاتفاق ولا يتوقع أن تشملها المفاوضات الجارية في سويسرا. على العكس من ذلك فإن السماح للإيرانيين بتضمين مصير حزب الله والحرب في لبنان ضمن الاتفاق، يعتبر إضفاء للشرعية على الدور الإيراني المخرب في لبنان، وحماية لحزب الله ودوره العسكري بالضد من مصلحة لبنان وبالضد من الهواجس الأمنية الإسرائيلية من تهديدات الحزب لشمال إسرائيل.

كما أعطى الاتفاق إيران اليد الطولى في الخليج وفي السيطرة على مضيق هرمز، من حيث أنه لم يسع إلى إلزام النظام الإيراني بأي ترتيبات تشمل أمن الخليج وعدم تهديد دوله أو التدخل في شؤونها الداخلية.

ويرى كثيرون في رفع العقوبات أو تسليم الأموال المجمدة للحكومة الإيرانية أو تسهيل بيع النفط والوصول إلى الأسواق المالية العالمية، بمثابة مكافأة للنظام الإيراني على مهاجمته لدول الخليج ولمجمل سلوكه العدائي، وليس ثمنا لتغيير حقيقي وجذري في السلوك الإيراني.

بعبارة أخرى، فإن الاتفاق الذي وقعته الإدارة الأميركية مع الحكام الجدد في طهران لم يأت نتاج تبدل لهذا النظام كما يقول ترامب، وإنما جاء بسبب مخاوف الرئيس الأميركي نفسه على مصالحه ومصالح حزبه الانتخابية التي يبدو أنها باتت تواجه صعوبات جمة بسبب الوضع الاقتصادي وارتفاع أسعار النفط، فضلا عن التململ الداخلي من حروب الشرق الأوسط والتدخل الأميركي فيها.

وهكذا، فإنه على الرغم من النتائج العسكرية القوية التي حققها الجيش الأميركي والإسرائيلي في الأيام والأسابيع الأولى من الحرب ضد إيران، وخاصة تدمير منظومات الدفاع الجوي والصواريخ والعديد من المنشآت العسكرية، وكذلك القضاء على القيادات الإيرانية، فإن هذه النتائج لم تترجم إلى انتصار سياسي. بل يبدو أن الإيرانيين خرجوا من هذه الحرب، رغم خسارتهم الواضحة، أقوى من الناحية الاستراتيجية. فهم قد يحصلوا على فرصة لإعادة تأهيلهم من دون أن يقدموا تنازلات حقيقية أو يقوموا بتغييرات جدية.

وبالطبع طوى النسيان تماما أي حديث عن سياسات النظام الإيراني الداخلية تجاه شعبه والذي وعد ترامب المتظاهرين الإيرانيين بأنه قادم لمساعدتهم. وثمة اقتناع واسع في الأوساط السياسية الأميركية بأن هدف تغيير النظام الإيراني لم يعد واقعيا وأن الإيرانيين قد لا يتحركون في وقت قريب ضد النظام الذي قمعهم لعقود.

وثمة من يتسائل لماذا كانت هذه الحرب إذن، إذا لم تحقق أي من الأهداف التي وضعتها الإدارة الأميركية لنفسها، باستثناء الملف النووي الذي سوف يخضع بدوره لمفاوضات قد تستغرق وقتا طويلا ربما يتجاوز الوقت المتبقي لهذه الإدارة في البيت الأبيض؟

وهل تستطيع الولايات المتحدة أن تعود إلى خيار الحرب والعمل العسكري كما يهدد ترامب في حال أخل الإيرانيون بالاتفاق؟

من الناحية النظرية يبدو خيار العودة للحرب ممكنا، ولكن من الناحية العملية ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، فإنه لن يكون أمرا سهلا. فطهران لا تزال تمسك بخناق مضيق هرمز وهي قادرة على إغلاقة في أي وقت، وحتى الآن لم تظهر الولايات المتحدة ما يدل على أنها قادرة على إعادة فتحه بالقوة رغم التهديدات الجوفاء.

قصارى القول إن هذه الحرب، على غرابتها، أوبالأحرى غرابة نتائجها، تبدو من أكثر الحروب إثارة للدهشة. فرغم التفوق العسكري الساحق للولايات المتحدة وإسرائيل، تمكنت إيران بسلاح الاقتصاد ومن خلال استخدام الصواريخ والمسيرات من أن تفرغ التفوق العسكري الأميركي الإسرائيلي من محتواه بل وتفرض معادلات جديدة وأن تجلس للتفاوض والتحاور ندا لند رغم خسارتها العسكرية الواضحة.   

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *